الصفحة الرئيسية الجهة المسؤولة  
 
 
الاتحاد مناشط مقالات مطبوعات روابط    
             
مقالات            
 
   
التشكيل كسلعة . . ليس بعيداً عن الإقتصاد السياسى    
     
تقييم لمشكل جواجاتى    
صلاح حسن عبد الله

 

  جريدة الصحافة عدد 23 / 1 و 3 / 2 / 2001 م
مجلة تشكيل
 
التشكيل كسلعة . . ليس بعيداً عن الإقتصاد السياسى
 
صلاح حسن عبد الله
 

إنَّ المتتبع لأدبيات التشكيل فى السودان يلمس مدى زخمها وثرائها ، ويلمس أيضاً مدى تشابك قضاياها وتعقيداتها .

وهى تعقيدات عصفت بالكثيرين من التشكيليين ورمت بهم بعيداً ونهائياً إلى خارج دائرة العمل التشكيلى . ولم يكن نصيبهم من ذلك إلا الحسرة والندم على إفناء زهر ة شبابهم فى قضية يعتقدون أنَّها خاسرة . إلا أنَّ ذلك لن يدلل إلا على ضعف المنهج وعجزه عن فك طلاسم الأزمة وتحليل عناصرها لإعادة موضعتها ( موضعة عناصر الأزمة ) ضمن السياق العام للأزمة نفسها . وهى فى جوهرها أزمة إقتصادية ، عصفت هى الأخرى بالكثيرين من السودانيين ( وضمنهم عدد كبير من

التشكيليين ) ورمت بهم بعيداً وربما نهائياً أيضاً إلى خارج جغرافيا السودان .


فبعد ان انجز السيد حماد توفيق , أول وزير مالية سودانى , فائضاً فى ميزانيته بلغ 5.860.000 ( خمسة مليون وثمانمائة وستون الف – ميزانيات السودان ، المجلد الأول ص 7 ) جنيه مصرى ، لم يكن امام خلفه السيد إبراهيم أحمد سوى ان يعلن عن اول عجز بميزانية حكومة السودان ، والذى بلغ 2.778.800 ( إثنين مليون وسبعمائة وثمانية وسبعون ألف وثمانمائة جنيه سودانى - ميزانيات السودان , المجلد الأول ص ) . وإبراهيم احمد هو صاحب التوقيع التاريخى الذى مهر به مذكرة مؤتمر الخريجين التى بناءاً عليها نال السودان إستقلاله فى 1956 . وعقب الإستقلال مباشرة تولى منصب وزير المالية . فوجد نفسه وجهاً لوجه امام معضلات تختلف نوعياً عما تعود على معالجته قبل الإستقلال مع بقية رفاقه الآخرين . ولكن السيد أبراهيم احمد ما كاد ان يتمهل قليلاً لكى ينظر فى الحل حتى داهمه الحرس العسكرى واطاح به وبإحلامه فى الحل الذى لم يكن صعباً فى ذلك الوقت . لاحظ ان الفارق الزمنى بين إعلان العجز فى الميزانية وبين إعلان البيان العسكرى الأول لم يتعدَّ الخمسة أشهر فقط .


ثمَّ اعقبه فى تولى إدارة المسئولية المالية السيد عبد الماجد احمد ممثلاً لنظام تسمى باسم الثورة ، وهى ثورة 17 نوفمبر . ولما كان ثورياً على هذا النحو فقد قام بوضع خطة إقتصادية عشرية طموحة جداً كان يريد بمقتضاها ان يقفز بالدخل القونى من 35.000.00 ( خمسة وثلاثين مليون ) من الجنيهات إلى 56.000.000 ( ستة وخمسون مليون ) من الجنيهات ، وذلك على ايام العز للجنيه السودانى . ( كتاب وزراء مالية ورجال أعمال عرفتهم ص )
ولكن ما أن إختبرت الأرقام التى قدمها على ارض الواقع حتى تاكد بانَّها لم تكن لتعنى إلا الوهم " فبعد ان كان مقدراً لها ألا تستهلك أكثر من 6.000.000 ( ستة ملايين ) من الأرصدة الخارجبة فى سنواتها العشر ، إلا أنَّها إستهلكت أكثر من أربعين مليوناً من الأرصدة الخارجية ومبلغاً يكاد يماثلها من الأرصدة الداخلية " كتاب وزراء مالية ورجال اعمال عرفتهم ن مكمى عثمان مكى ص 13 " . فوقعت الكارثة وكان الوحل .


تمَّ ذلك على ايام الفريق عبود الذى طالما وصفه الناس بعبارة الرجل الطيب . ولكن عبود ليس بريئاً إلى هذا الحد . وعبد الماجد احمد كان ولايزال حتى اليوم هو اكثر وزراء المالية إستقراراً فى موقعه إذ تولى هذه المسئولية لمدة خمسة أعوام على التوالى . ورغماً عن انَّ الســيد إبراهيم منـعم منصــور قـــد تولى هو الآخــر هــذا المنصـب لمدة خمســـة أعــوام ايضـاً ، إلا انَّ ذلك قد تمَّ على فترتيـن متقطعتين ( ) وبذلك فإنَ السيد عبد الماجد احمد يظل هو اكثر وزراء المالية إستقراراً فى موقعه . ولكنا ، وللأسف حيث لاينفع الأسف نجد انَّ الكارثة قد وقعت على يديه هو بالذات دون غيره من وزراء المالية . ولكن ماينفع بديلاً للأسف هو ان نقول انَّ ذلك قد تمًَ فى ظل نظام حكم عسكرى ، ديكتاتورى والذى لا يفرخ دائماً إلا الفساد .


وعلى كل حال فقد وقعت الكارثة , وكان الوحل الذى حاولت القيادات السياسية اللاحقة ان تمشى من فوقه فما حصدت سوى مفاقمة العجز والذى بلغ على ايام السيد عبدالله حسن احمد اكثر من 13.4( ثلاثة عشر واربعة من عشرة ) مليار دينار سودانى .


وضمن محاولاتها فقد جربت القيادات السياسية مختلف أشكال الحكم من عسكرية إلى ديمقراطية ، شمولية ، حكومة إنتقالية ، حكومة وفاق ، حكومة مصالحة ، إئتلاف . . إلخ . . إلخ . لقد جربت الأنظمة الوطنية المتعاقبة مختلف اشكال الحكم ، ولكن لم تحصد من ذلك سوى خيبات أملها .


وخلال ذلك كنا نحن ( الجمهور أو المواطنون المبعدون من القرار السياسى ) كنا نحن المستودع والمختبر الدائم لمختلف أشكال التجارب ، والتى لا زالت مستمرة . ومالم تمسك الحركة الجماهيرية بزمام أمورها جيداً ، بل وجيداً جداً فإنَّ قرائن الأحوال تشير إلى أنَّ التجربة التالية ستتم تحت الإشراف المباشر للنظام الرأسمالى الغربى ، والذى أعدَّ عدته كاملةً لإنفاذ سياسته المسماة بالنظام العالمى الذى يقال عنه أنَّه جديد بينما هو قدبم قدم الثورة الفرنسية ، مع إعتبار كل الطفرات الخرافية التى أنجزها لصالحه ، ولكنها لم تبدِّل من جوهر بنيته شيئاًً . خاصةً وأنَّ هذا النظام قد شرع بالفعل فى تنفيذ أجندته الخاصة بتطبيق ضريبة القيمة المضافة وتوقيع إتفاقيات تحرير التجارة الدولية بعد أن ذقنا طعم تحرير التجارة الداخلية .


ومن داخل سلسلة التجارب المتلاحقة هذه إنقلبت كثير من الموازين وأصبح سافلها أعاليها وأعاليها سافلها . وتشكَّل واقع معقد ، ولكنه واقع لا تخطئه العين حتى غير الفاحصة .


وإزاء هذا الواقع لم يعد أمام المثقفين أو المتعلمين الأكاديميين سوى النظر إلى وظيفتهم فى بعدها الإقتصادى ، أى كنشاط إقتصادى . لقد تمرَّغت الصورة السامية للمثقف ؛ الشارد بذهنه ؛ الغارق فى الكتب والأوراق والذى يأنف من إضاعة الوقت فى الشئون الحياتية اليومية العملية كما يقول الأستاذ عصام الخفاجى ( مجلة البديل ) . وتمرَّغت الصورة الزاهية للفنان ؛ ذلك الكائن الحالم ؛ الهائم والذى يكتفى من الأزهار برحيقها فقط .

 

 
[تنزيل بقية الموضوع ] (PDF 460 kb)
 
 
عودة إلى بداية الصفحة